ابن أبي الحديد

9

شرح نهج البلاغة

عنه تطاير الشعارير ( 1 ) ، ولم يكن أحد يشبه رسول الله صلى الله عليه وآله إذا جد الجد ، ثم طعنه بالحربة في عنقه وهو على فرسه لم يسقط ، إلا أنه خار كما يخور الثور ، فقال له أصحابه : أبا عامر ، والله ما بك بأس ، ولو كان هذا الذي بك بعين أحد ما ضره . قال : واللات والعزى ، لو كان الذي بي بأهل المجاز لماتوا كلهم أجمعون ، أليس قال : لأقتلنه ! فاحتملوه ، وشغلهم ذلك عن طلب رسول الله صلى الله عليه وآله حتى التحق ( 2 ) بعظم أصحابه في الشعب . قال الواقدي : ويقال ، إنه تناول الحربة من الزبير بن العوام . قال : ويقال إنه لما تناول الحربة من الزبير حمل أبي على رسول الله صلى الله عليه وآله ليضربه بالسيف ، فاستقبله مصعب بن عمير حائلا بنفسه بينهما ، وإن مصعبا ضرب بالسيف أبيا في وجهه ، وأبصر رسول الله صلى الله عليه وآله فرجة من بين سابغة البيضة والدرع ، فطعنه هناك ، فوقع وهو يخور . قال الواقدي : وكان عبد الله بن عمر يقول : مات أبي بن خلف ببطن رابغ ( 3 ) منصرفهن إلى مكة . قال : فإني لأسير ببطن رابغ بعد ذلك ، وقد مضى هوى من الليل إذا نار تأجج ، فهبتها ، وإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يصيح : العطش ، وإذا رجل يقول : لا تسقه ، فإن هذا قتيل رسول الله صلى الله عليه وآله ، هذا أبي بن خلف ، فقلت : ألا سحقا ! ويقال : إنه مات بسرف ( 4 ) .

--> ( 1 ) الشعارير : الذباب . ( 2 ) أوالواقدي : " لحق " . ( 3 ) طن رابغ : واد من دون الجحفة ، قال الواقدي : هو على عشرة أميال من مكة . ياقوت . ( 4 ) سرف ، ككتف : موضع على سبعة أميال من مكة ، تزوج به رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث ، وهناك بنى بها ، وهناك توفيت - ياقوت .